نذير حمدان
79
حكمة القرآن والحضارة
على كمال الإنسان ، ويقول للنفس الإنسانية قوتان ، نظرية وعملية ، واللّه تعالى انزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين ، فقوله يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ إشارة إلى كونه مبلّغا لذلك الوحي من عند اللّه إلى الخلق ، وقوله وَيُزَكِّيهِمْ إشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية ، و ( الكتاب ) إشارة إلى معرفة التأويل ، وبعبارة أخرى ( الكتاب ) إشارة إلى ظواهر الشريعة ( والحكمة ) إشارة إلى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها ، ثم هذه النعمة ، وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم ، فإذا كان وجه النعمة العلم والإعلام ، وورودا عقيب الجهل والذهاب عن الدين ، كان أعظم ، ونظيره قوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( الضحى 7 ) . يضاف إليها أن الرسول ليس قدوة بشخصيه وحسب وإنما في بيته أيضا وبخاصّة في حالات الشّدة والصبر على ضنك العيش والتعفّف عن الفواحش ، والقنوت للّه ورسوله ، وأدب الخطاب واللباس والزينة ( الأحزاب 28 - 34 ) . وأخيرا فلا بد من الدعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ( النحل 125 ) بالقول المحكم والدليل الموضّح للحقّ ، المزيل للشبهة كما قال صاحب الميسّر ، وإذا فهي حماية وتثبيت ودعوة . وفي خارج نطاق الأنبياء والنبوات يعرض القرآن إلى حكمة ( لقمان ) العظيمة في العقيدة والسلوك والاجتماع ( لقمان 12 ) والتي تجعل صاحبها يضع كل شيء في محلّه . وتلف ( الحكمة البالغة ) ( القمر 5 ) آخر سورة تحدثت عن الحكمة التي صرّحت بهذا الوصف ، البشرية في جميع مراحلها والتاريخ الإنساني في قاعدة حضارية رهيبة مفزعة تتصل بأسس العمران وجذور الحضارة . ومما يلفت النظر أن تنازل العدّ في التصريح بالحكمة متناسب مع السور القرآنية طولا وترتيبا ، فقد ورد ذكرها في سورة ( البقرة ) كما أشرت 6 مرات تستوفى أهمّ مجالاتها ، وفي سورة ( آل عمران ) ثلاث مرات وهي أوسطها تفصل بين الألوهية والنبوة ، ومرتين في ( النساء ) تأييد وتثبيت للرسل ، ومرة واحدة في كل من المائدة وغيرها كما سبق .